علي بن محمد البغدادي الماوردي
340
أدب الدنيا والدين
ولئن كان الدين رقا فهو أسهل من رق الافضال . وقد روي عن علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء قيل وما في خفة الرداء من البقاء قال : قلة الدين فإن أعوزه ذلك إلّا استمناحا فهو الرق المذل ولذلك قيل : لا مروءة لمقل وقال بعض الحكماء : من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته . والذي يتماسك به الباقي من مروءة الراغبين واليسير التافه « 1 » من صيانة السائلين وإن لم يبق لذي رغبة مروءة ولا لسائل تصوّن أربعة أمور هي جهد المضطر : أحدها أن يتجافى ضرع السائلين وأبهة المستقلين فيذل بالضرع ويحرم بالأبهة وليكن من التجمل على ما يقتضيه حال مثله من ذوي الحاجات . وقد قيل لبعض الحكماء متى يفحش زوال النعم قال : إذا زال معها التجمل . وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن الجهم : هي النفس ما حملتها تتحمل * وللدهر أيام تجور وتعدل وعاقبة الصبر الجميل جميلة * وأحسن أخلاق الرجال التفضل ولا عار إن زالت عن الحرّ نعمة * ولكنّ عارا أن يزول التجمل والثاني أن يقتصر في السؤال على ما دعته إليه الضرورة وقادته إليه الحاجة ولا يجعل ذلك ذريعة إلى الاغتنام فيحرم باغتنامه ولا يعذر في ضرورته . وقد قال بعض الحكماء : من ألف المسألة ألفه المنع . والثالث أن يعذر في المنع ويكشر على الإجابة فإنه إن منع فعما لا يملك وإن أجيب فإلى ما لا يستحق . فقد قال النمر بن « 2 » تولب : لا تغضبن على امرئ في ماله * وعلى كرائم صلب مالك فاغضب والرابع أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلا وكان النجح عنده مأمولا فإن ذوي المكنة كثير والمعين منهم قليل . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الخير كثير وقليل فاعله » . والمرجوّ للإجابة من تكاملت فيه خصالها وهي
--> ( 1 ) التافه : اليسير القليل . ( 2 ) ابن تولب : على وزن جعفر الذهلي ، يكنى أبا ربيعة ، مقل مجيد ، كان أبو عمرو يسميه الكيس من حسن شعره . وكان يشبه بشعر حاتم الطائي ، مخضرمي ، وله صحبة ، كان حوادا .